الشيخ محمد رشيد رضا
108
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الآخرون يجادلونهم على لفظ يجب عليه ولعلهم قالوا يجب له فحرفوها ومهما قالوا فالمقصد واحد وهو إثبات الكمال للّه تعالى وتنزيهه عن النقص وأكثر الجدل الذي أهلك المسلمين وفرقهم شيعا وأذاق بعضهم بأس بعض كان مبنيا على المشاحة في الالفاظ والاصطلاحات . وكتاب اللّه ودينه يتبرأ من ذلك وينهى عنه . ومن فهم من مجموع القرآن ما قررناه مرارا في مسألة الجزاء يفقه معنى نفي الظلم عليه تبارك اسمه وتعالى جده فلكل عمل اثر في نفس العامل يرفع نفسه بالحق والخير إلى عليين ، أو يهبط بها إلى سافلين ، ولذلك درجات ومثاقيل مقدرة في نفسها لا يحيط بدقائقها الا من أحاط بكل شيء علما وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها أقول أي انه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله مثقال ذرة ولكنه يزيد للمحسن في حسنته فان كانت الذرة التي عملها العامل سيئة كان جزاؤها بقدرها وان كانت حسنة يضاعفها له اللّه تعالى عشرة أضعاف أو أضعافا كثيرة كما قال تعالى في آية أخرى ( 6 : 160 مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) وفي معناها آيات وقال ( 2 : 244 مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) وقرأ ابن كثير « وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً » برفع حسنة أي وان توجد حسنة يضاعفها . وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وابن جبير « يضعفها » بتشديد العين من التضعيف وهو بمعنى المضاعفة . وردوا قول أبي عبيدة ان ضاعف يقتضي مرارا كثيرة وضعف يقتضي مرتين وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً يعني أن فضله تعالى أوسع أن يضاعف للمحسن حسنته فقط بأن لا يكون عطاؤه الا في مقابلة الحسنات بل هو يزيد المحسنين من فضله ويعطيهم من لدنه أي من عنده لا في مقابلة حسناتهم أجرا عظيما أي عطاء كبيرا . قالوا إنه سمى هذا العطاء اجرا وهو لا مقابل له من الاعمال لأنه تابع للأجر على العمل فسمي باسمه من قبيل مجاز المجاورة . ولعل نكتة هذا التجوز هي الايذان بأن هذا العطاء العظيم لا يكون لغير المحسنين فهو علاوة على أجور أعمالهم والعلاوة على الشيء تقتضي وجود ذلك الشيء فلا مطمع فيها للمسيئين الذين غلبت سيئاتهم المفردة على